الأخبار

العقل الجزائري في خطر ؟؟؟

يسجل التاريخ الكثير من المحطات والمواقف التي تؤكد بما لايدع مجالا للشك ان الشعب الجزائري حجز مكانة بمساحة هامة في جغرافية العالم المليئة بالأخطاء والتناقضات الكثيرة التي ارتبطت بالمحاولات المتكررة على رادار تشويش الحياة على الجزائريين خاصة طيلة الحقبة الاستعمارية التي دامت كما يعلم الجميع 132 سنة وهي فترة ليست بالهينة ولو كانت لشعب اخر لانقرض من الخريطة وتخلى عن هويته ومرجعيته ، مع التسجيل في هذا الصد بروز بعض الدجل داخل جزء من الصوفية التي اخترقت من طرف الاستيطان الفرنسي وصارت تروج لقضاء الله تعالى وقدره عندما سلط علينا فرنسا ولا داعي للخروج من اجل القتال والجهاد بغية تطهير الارض الطيبة من دنس عساكر المجوس والماسونية العالمية المدعمة باللوبي اليهودي والحلف الاطلسي ، وقد ازدادت الخرافات عند بروز مظاهر اخرى للشعوذة والشرك تتعلق بضرورة النظرة الى الشيخ لتقبل الاعمار ولينزل المطر كما حدث غداة الاستقلال مع الوعدات المنحرفة والخرافية وحتى أماكن العبادة التي يدخلها الغناء تحت مسمى الفولكلور وغيرها من المصطلحات والمسميات التي تجنح الى الخرافة التي حاربها الشيخ مبارك الميلي عالم الجزائر ومخ جمعية العلماء المسلمين والذي تعود في 09 فيفري 2018 ذكرى رحيله ال 73 وهو الذي كرس جزء هاما من نضاله الاصلاحي لمحاربة الطرقية والخرافات مهما كانت مصادرها
وفي العام 1924 دون الشيخ مبارك الميلي مقالا له تحت عنوان ” العقل الجزائري في خطر ” ليلفت الانتباه الى خطر مظاهر المسخ التي يمارسها الاستيطان الفرنسي من اجل القضاء على عناصر الهوية الوطنية وخاصة تلك الدعايات التي اطلقها ابناء ديغول بخصوص تاريخ الامة حيث حاولت فرنسا مرارا وتكرارا التنكر للجزائريين من خلال الحرص على تمرير معلومات تفيد بان الجزائريين مجرد قبائل مبعثرة لا توجد بينهم اية روابط اجتماعية وتاريخية وهو ما جعل العلامة مبارك الميلي يصر على دق ناقوس الخطر والعمل ضمن منظومة الاصلاح الوطني التي انجبت رجالا ساهموا بوعي في تحرير الجزائر ضمن ثورة تدرس في اكبر الجامعات في العالم.
الابعاد الثلاثة في شخصية مبارك الميلي رحمه الله
تصب كل الشهادات التي تحوز عليها الاذاعة الجزائرية من ميلة ومنها لابنة الفقيد اسماء الميلي التي تشرفت الاذاعة لأول مرة باستضافتها في ندوة علمية فكرية حول مناقب الراحل يوم الاربعاء 07 فيفري 2018 ، ان والدها رحمة الله تعالى والذي ارتبط اسمه بميلة التي حط بها الرحال من منطقة الرمامن ببلدية غبالة بولاية جيجل من اجل العلم والتعلم ، كون شخصيته على الابعاد الثلاثة التي تكرس الهوية الوطنية حيث حرص على بعث عناصرها المتمثلة في الاسلام ولغة القران ، والتي شكلت عنده مربط الفرس طيلة سنوات الدعوة والحركة الاصلاحية حيث اهتم كثيرا بتحفيظ القران الكريم واللغة العربية وكان ينفذ بقوة برنامج جمعية العلماء المسلمين بهذه الولاية (ميلة) كما في الاغواط وباقي المناطق ، واوضحت ان عملية التدريس شملت الاناث والذكور رغم بعض المقاومات والتي حدثت ايضا مع الشيخ محمد الميلي بن معنصر والذي جابه تلك المقاومات لبعض المنغلقين بالعمل على قهر الامية داخل المجتمع بجناحيه الرجل والمرأة بعيدا عن الضجيج والغلو وهو الفكر الذي واصل عليه الشيخ العلامة الجزائري مبارك الميلي الذي عرفت عنه الرحمة والصرامة في الوقت ذاته.
وتذكر ابنته اسماء لإذاعة الجزائر من ميلة ان والدها رحمه الله كان ينهل من الاسلام والعربية من اجل الجزائر التي تشكل البعد الاكبر في الاركان الاساسية للهوية الوطنية لذلك حارب الشرك ومظاهر وآلف تاريخ الجزائر في القديم والحديث ليؤكد على اهمية البعد الوطني في ملف الاصلاح الذي مبتغاه في نهاية المطاف إخراج الجزائر والجزائريين من براطين الشرك والشعوذة والخرافة الممزوجة بالجهل لأنه ادرك ان مجابهة تحديات فرنسا الاستيطانية تحتاج الى مزيد من الوعي لدى الافراد والمجموعات التي كانت منهكة على كل الاصعدة وقد حققت هذه الاستراتيجية الاهداف المسطرة رغم ان نتائجها كانت بعد رحيل الشيخ مبارك الميلي وصديقه العلامة عبد الحميد بن باديس.
مبارك الميلي او القلم السيال
وعلاوة على الجهود الكبيرة لتعليم القران الكريم ولغته العربية التي تشكل حبل الوصال الوثيق داخل المجتمع الجزائري بمختلف الاطياف والإيديولوجيات رغم تخندق بعض الفرونكوفونيين في صف العداء لها فقد خصص العلامة مبارك الميلي جزء هاما من وقته وبتشجيع من الشيح عبد الحميد بن باديس للكتابات الصحفية حيث تؤكد كل التحاليل التاريخية انه كان يملك قلما سيالا يكتب بغزارة وبأفكار نيرة في الشهاب والمنتقد والبصائر وهي الكتابات التي بقيت شاهدة على تميز العلامة وغوصه في كل الملفات وخاصة اصراره على تكريس الكتابة الناقدة الطامحة الى تغيير الاوضاع وتجديد المجتمع وهي الميزة التي اعطت للشيخ مبارك الميلي مكانة صحفية مرموقة بفضل الكتابات الهادفة والأفكار المنيرة التي اطلقها طيلة نضاله داخل الحركة الاصلاحية .
وامتد عطاء الشيخ الصحفي الى الكتابة في مجالات اجنبية كما ذكره مدير الشؤون الدينية والأوقاف خلال نزوله ضيفا على برنامج ” نقاط وحروف ، حيث اكد ان العلامة مبارك الميلي والذي سمي ” ابن تيمية المغرب العربي ” كتب لأول مرة في المنهل السعودي في العام 1937 وقد لقي مقاله صدى كبيرا ، وهي المعلومات التي تؤكد فعلا هذا النبوغ عند عالم الجزائر الذي حارب الشرك وزعزع المشركين والمشعوذين بعد الغلو والتطرف ولكن بالمصطلح الحديث بالوسطية والاعتدال.
العدو رقم واحد لفضيلة الشيخ رحمه الله تعالى
وقد ثبت عن العلامة مبارك الميلي الذي توفاه الاجل في 09 فيفري 1945 بعد صراع مرير مع داء السكري ، انه يتحلى بالشجاعة القوية وبالصبر الجميل وكانت الحاكم بميلة يهابه كثيرا ولم يسبق ان اقترب منه ليضايقه رغم تعليمات مسؤوليه حيث كان يرد دوما حسب شهادة ابنته اسماء الميلي بأن توقيف الشيخ يؤدى الى فوضى عارمة بالنظر الى المكانة الكبيرة التي يحظى بها بين اهل ميلة خاصة وانه صار قدوته في الاخلاق ، لذلك عرف عنه حسب الشهادة هذه بانه دون ” الكذب ” كعدو رقم واحد وكان يطلب من ابنه محمد الميلي رحمهم الله تعالى جميعا الصراحة وعدم الكذب وكان يمقت هذا السلوك الدميم وذلك تجسيدا لقيم الدين الاسلامي الحنيف التي تصنف الكذب في خانة الممنوع ولو كان على شاكلة المزاح فالمتشبع بالإيمان والإسلام لا يحق ولا يمكنه بأية حال من الاحوال الكذب.
لقد كرس العلامة مبارك الميلي حياته لمهمة الاصلاح النبيلة وساهم كما يحلو للكثير في تأليف الرجال بدل تأليف عدد كبير من الكتاب لأنه ادرك ان مقارعة الحياة والاستشراف بكل التحديات يقوم على المورد البشري الوحيد القادر على المشاركة الفعلية والفاعلة في صناعة التغيير وعلى الرغم من كون المجتمع الجزائري كان يعاني العياء الكامل جراء مكر فرنسا وخبثها والدمار المعنوي والمادي الذين مارستهما على امتنا الجزائر فان منهج صناعة المواطن الصحيح لدى العلامة وكافة رفاق الدرب اينع بالكثير من الثمار التي انجبت رجالا ونساء عاد اليهم الفضل في القضاء على وجود الحلف الاطلسي بهذه الارض الطيبة .

بقلم عمار عقيب

coronavirus-stats-live
اظهر المزيد
إغلاق