الأخبارالأخبار المحلية

الشر الحديث والتضخم الأخطر

 

  ساهمت التحولات الجديدة التي يعرفها العالم في السنوات الاخيرة في تحويل الروابط الاجتماعية الى سائل مائع غير مفيد وتضررت الكثير من المجتمع بهذا السائل الذي يعتبره الفلاسفة بمثابة الانزلاق نحو الهاوية والدركات السفلى لان تأثيراته وخيمة على عطاءات الافراد والمجموعات التي تجنح من عام الى اخر الى تحقيق رغبات الانا والأنانية على حساب قيم الوجدان التي تشيع درب المجتمع بالأنوار السامحة بولوج دهاليز الحياة ومغاراتها المظلمة بانتباه وحذر وبأكثر واقعية ودقة.

  وازداد تدفق هذا السائل الذي يعتبر بمثابة الشر الاكبر والحديث لأنه ببساطة يرمي الى تفكيك الروابط الاجتماعية في النواة الاولى وعلى مستوى الحلقة الصلبة وهي الاسرة ولتفكيك الدول وجعلها تعيش على عبثية الجوانب المادية رغم الادراك بضرورة الموازنة بين الوجدان وقوة الاشياء في ميزان لا يحق فيه التخلص النهائي من كل جماليات الروح التي ترتكز في قوامها ومن رشاقة فكرية وعلمية وعصرانية وحداثة على اسس الهوية والمرجعية الوطنية والدينية التي يجب ان نعتد بها كخريطة طريقة لمقاومة السيل الجارف للعولمة الذي حول المجتمعات الى قبائل تلهث وراء الاشباع المادي الغريزي وتعيش الحسرة الابدية لغياب الاشباع الروحي والنفسي الذي يهز الوجدان ويحرك مشاعر الارتباط بالقيم التي تعد الضمان الاوحد لاستمرار منتوج العولمة في جوانبها التكنوجية والحداثة وتقريب المسافات واختصارها بين المجتمعات بفضل السماء المفتوحة والتي حولت العالم بأسره الى بيت صغير ، حيث تصب كل التحاليل الفكرية والعلمية وحتى الفلسفية في التحذير من استمرار هذا المد ومحاولة تعرية كل ما هو قيمي اخلاقي لان الحضارة الحقيقة لا يجب ان تقوم على معارف مادية تنأى بعيدا عن وجدان الانسان الذي تحكمه العواطف وتسكنه الروح المشبعة بعطور الوجدان الذي ينسج خيوط التواصل الاجتماعي ويحافظ عليها وتقوي الروابط هذه عندما ندرك في المجتمعات العربية والسلامية للمفهوم الصحيح للإسلام الذي يراهن على مكونات المجتمع وخاصة الاسرة في  إشباع الروح بهذا المغذي البسيط في ظاهره القوي المفعول في عمقه الترابطي لأن الكوارث الحديثة التي نعيشها ونعاني منها ترتبط بما سمته ” الشر الحديث ” لان الغرب اليوم ادرك من جهته بان الوصول الى قمة كماليات المادة واكتساب مهارات العلم والمعرفة لم تحقق له السعادة في الحياة لان المنطلق كان خاطئا وجانب الصواب وجعل الغرب يغرق في دوامة البحث عن الشيء المفقود في ظل حرص كل عنصر منه على انانية الذات والتمكن بتفرد يهدد كيانهم ، وقد لا نعي نحن الشعوب السارية في طريق النمو او لنقول القابعة في ذيل الترتيب حجم معاناة الحضارة الغربية لاقتصارها على الترف المادي دون التلميع الروحي الوجداني لأننا اليوم بنا مس منه غوغاء المادة التي افرزت ضجيجا يتحول بفعل الشر الحديث الذي يحارب كل القيم والأخلاق والأعراف ويرى في الحياة جوانبها النفعية الإشباعية لا غير وهذا بفعل رحلة البحث المضنية التي نسيرها بحثا عن اتباع الغالب الذي تحكم في مفاتيح تسيير العالم ويصدر الينا هذه الافكار التي حولت مجتمعنا بضعف منا الى حقل تجارب كتلك التي تجريها المخابر العلمية على الفئران وبعض الكائنات الحية في محاولة اغراقنا في سموم التفكك الاجتماعي المبرمج على زلزال بقوة لا يعرفها سلم ريشتر من شدتها خاصة على المدى المتوسط والطويل.

 وإذا كان الغرب قد حقق كل حاجيات الاشباع المادي مثلما سبقت اليه الاشارة فهو يسير بسرعة القطار الكهربائي من اجل الوصول الى محطة ترميم الوجدان الاجتماعي وتصويبه نحو بوصلة اخرى تعود بها اي الحضارة الى سكة تحقيق المنافع الاجتماعية والجماعية التي تقيها من انهيار وشيك لكثرة العثرات على درب بناء ارتكز منذ الوهلة الاولى على استبدال القيم الاجتماعية بالروابط المادية التي قضت على حرمة الاسرة والفرد وحولت الانسان ككائن حي وعاقل الى صنم يعبد السيارات والفيلات ويسبح بحمد الممنوعات الامر الذي زاد من شرخ البنيان وتصدعه ، وإذا كان الغرب يعمل في اتجاه ترميم هذا الوجدان الجمعي فان امتنا مطالبة بضرورة الحفاظ على ما تبقى من روابط اجتماعية وإحاطتها بالسياج المتين الذي يحول دون زوالها على غرار الكثير من القيم التي اختفت بفعل الحرص على الملذات وكأن السعادة تختصر في قوالب الحياة المادية والحقيقة برأي اهل العلم والمختصين غير ذلك لان شكاوى اهل الاقتصاد من التضخم وخطره على القدرة الشرائية وما يتسبب فيه أيضا من تراجع قيمة الدينار لا يقتصر على العملة لان التضخم الحقيقي والأخطر هو الذي يهز روح المجتمع ويفكك روابط الى قطع غيار غير متجانسة كما يحدث اليوم وادى الى اتساع رقعة التعاطي السلبي مع الروابط الاجتماعي والشواهد كثيرة تخص تقلص الاسرة الى عائلة نووية تعيش لغرضها الشخصي وبكل انانية وتحويل الاباء والأمهات دون رحمة وبعيدا عن شفقة الابناء باباءهم وأمهاتهم الى ديار العجزة وغيرها من الاخطار التي تدل على خطورة التضخم السلبي في الروابط الاجتماعية التي تتعاطى معها مؤسسات المنظومة الاجتماعية بمختلف انواعها وألوانها بسلبية كبيرة .

  ويجب على النخب وهيئات المجتمع المدني وكدا الاحزاب السياسية ومختلف الفاعلين داخل النسيج الاجتماعي الحرص على ضخ دم جديد في روح هذه الروابط التي تعتبر بمثابة الاوكسجين الذي يدفع الدم ويحوله بغزارة الى مخ الامة لكي تستمر في المقاومة في المرحلة الاولى وتصل مع مرور الزمن الى تطعيم بكيانها بلقاح القدرات المادية التي تجعل من روح الروابط الاجتماعية النبراس الحقيقي لتخطى كل مظاهر الفساد التي اثرت في المردود العام.

 

                                                                                                                                                                                                                                                     بقلم عمار عقيب
coronavirus-stats-live
اظهر المزيد
إغلاق