الأخبارالمجتمع و الأسرة

عبقرية مذهلة في تضييع الفرص الثمينة

قد يبدو العنوان بكثير من الاثارة التي تهدف الى جلب إهتمام القارئ والمواطن بصفة عامة ولكن الحقيقة ان امتنا التي تملك كل مقومات الاقلاع الحضاري تهاوت الى الدركات السفلى في سلم ترتيب الامم لانها لم تحسن التعامل مع الطاقات الحية والكامنة داخل المجتمع سواء تعلق الامر بالموارد البشرية او الامكانات الباطنية والظاهرية التي تحتوي عليها الامة العربية الاسلامية بصفة عامة والجزائر بصفة خاصة .

 وقد أدى سوء التعامل مع امهات القضايا بشكل رسمي وشعبي الى مزيد من الاختلالات التي اثرت في صيرورة الحياة في كثير من المواقع وأفرزت الكثير من المواجع والآلام في كيان المجتمع الذي خرج عن سكة صنع التاريخ مثلما كان الحال عليه في وقت الكفاح من اجل طرد الاستيطان الفرنسي واسترجاع السيادة على كل الربوع الوطنية وبقي يتفرج على الاحداث التي تصنع في مخابر غيرنا وتصدر الينا بشكل خام لنستهلك الطيب منها وكثير من الخبيث وهي الوضعية التي زادت من الافراط في استهلاك المواد في شكلها المادي والمعنوي دون رقيب ولا حسيب وعلى حساب الثروة الوطنية التي تحولت بفعل  فاعل الى حقل خصب لتجارب مستوردة وفق طبيعة الحياة التي تؤشر على ان ” المغلوب ” مولع دوما وأبدا “بتقليد وإتباع الغالب” وهو ما ساعد على تنامي فطريات الفساد على مستويات عدة وحولت الريع الوطني الى سائل لذيذ الشرب في افواه الذين لا يدينون إلا بدين المصلحة الشخصية ولو ادى هذا التدين الجديد المعلب بالأنانية في ثوبها الرث وقالبها الممقوت ،الى فقدان الثقة داخل المجتمع الواحد وازدادت الهوة اتساعا وصار المواطن البسيط بالتعبير الشعبي لان كل مواطني البلد عظماء اذا قاموا بواجباتهم بالتزام يضاهي او يفوق الالتزام والحرص على الحقوق  ويعد هذا الانحراف الذي مس شرائح مختلفة من المجتمع وبنسب ودرجات متزايدة من بين الامراض المزمنة التي استعصى علاجا لان الدكتور الماهر شلت مهارته وتعطلت اشعة الكشف عنده بالطريقة ذاتها التي تتعطل بها الوسائل والتجهيزات داخل المصحات العمومية لتفتح شهية السائل المنتج من الريع الوطني لدى هواة الربح السريع ومحترفي اللعب في المساحات الفارغة من التجند الفردي والجماعي والمفتوحة الابواب على مصراعيها لأهل البصر واللمح السريع تحت مسميات كثيرة ومتنوعة تارة من بني ” عميست والمحسوبية” وتارة اخرى من ذوي “النفوذ “والقوة ألاجتماعية ليواصلوا ماراطون الصيد لكل ما يحقق امالهم ويربحهم ولو كان ذلك على حساب المجتمع الذي وجد نفسه يدفع فواتير العبث الفردي والجماعي وليس الرسمي فقط بالأشياء الثمينة التي صرنا نضيعها بعبقرية مذهلة كما هو الحال للأدمغة الت هاجرت البلد ليتم الاستثمار في قدراتها العقلية والمعرفية والعلمية في دول ما وراء البحار وكدا الامكانات الباطنية التي استنزفت بسبب الفشل في ايجاد النموذج التنموي والاقتصادي الذي يخلصنا من التبعية الكلية لريع النفط  وكل مقومات النهضة التي فصل فيها المفكر مالك بن نبي رحمه الله تعالى والتي حولناها بفعل الفشل في إدارة الشأن المحلي والوطني الى قدرات ميتة لا تنفع الامة ولا تفيدها في نفض الغبار عنها وتحولت الى مرتع للصراع المحتدم بين القوى التي تبحث عن مصالحها بعيدا عن مصلحة الامة .

 ومن بين عناصر التخريب التي اثرت بشكل كبير على النسيج التنموي والحضاري للأمة فشل النخب في ايجاد الحيز الزمني والجغرافي الذي يقضي على مظاهر العبث مهما كان مصدرها حيث ان الكثير من التحاليل الاجتماعية والسوسيوثقافية والنفسية والتربوية تلتقي في موقع  الاشارة وباللون الاحمر الى نخبنا الوطنية التي فضلنا العيش على خط التماس حتى لا اقول بعبارة قاسية على الهامش  وفتحت المجال للمتردية والنطحة والتي تعاني من الام ومرض الجرب المعدي الذي غلب الذات الانانية وتعدت العدوى لتهلك الحرث والنسل في جوهر تضييع فرص المصالح العامة عند عتبة ابواب المتربصين الذين تهمهم الحياة وفق ملذات الاشباع الفردي لا غير هو ما جعل معوقات النهضة الوطنية تتعدد وتتشابه وتزداد اتساعا في الرقعة  ، ويقع الاجماع على خطورة الوضع عندما تتغلغل هذه الافات الى اوساط النخب وتتحول الى نخب استرزاقية تبحث هي الاخرى عن مكنوناتها الشخصية بعيدا عن الحرص على استرجاع قطار الحياة والعمل على تجديد مدخلات ومخرجات العلم الكفيلة بترويض الاسود التي تحاول اختراق كل المجالات الوطنية .

   وبالخلاصة فان توفير شروط جديدة لتجديد العهد مع الاقلاع الحضاري والتطلع الى عصر جديد من النهضة يتطلب مزيدا من الوعي بضرورة تخليص منظومتنا الاجتماعية في ابعادها الوطنية ، السياسية ، الاقتصادية ، التربوية والمجتمعية من كل الشوائب التي ارتبطت بالعداء لمخرجات ومدخلات الحياة الناجحة التاي تقوم على عطاء الافراد وانخراط المجموعات الوطنية فيها لكي نسبح في فلك التجدد على امل الخروج من الضائقة التي حشرنا ارواحنا وأنفسنا فيها الى حد القنوط بفعل الكسل الاجتماعي والفشل التربوي وحتى السياسي الذي يحتاج الى الجدارة والاستحقاق وان نكسب معركة الاولوية للنخب المقتنعة بتوفر كل شروط النجاح وما على المجتمع الا الحرص على ذلك من خلال العمل من الان على التغير من الداخل وفق الفطرة الكونية التي تدعونا الى الاستثمار في الانسان وتنشئته الصحيحة ليكون لنا مجتمعا قادرا على رفع تحديات العودة الى صناعة التاريخ وليس العيش على وقع الاحداث التي يصنعها الاخر.

بقلم عمار عقيب

اظهر المزيد

اترك تعليقك