الأخبار

الطريق السيار الى الفتن العائلية

      يشكل في وقتنا الراهن ملف الميراث هاجسا كبيرا للعائلة الجزائرية التي تعيش كابوسا حقيقيا بسبب المواقف المناقضة للشرع والقانون بشان صيغ الفصل في التركة او الميراث ، وهو ما اكده كل المتصلين ببرنامج ” الرأي رأيكم ” لإذاعة الجزائر من ميلة يوم الثلاثاء 21 فيفري 2018 والذي فتح الموضوع للنقاش مع الجمهور الواسع حيث تأكد ان الفرقة والشتات والفتنة تتحكم في الموضوع بقوة بسبب الانحراف عن الضوابط الشرعية والفقهية والأخلاقية للميراث وحتى القوانين الوضعية التي تحتكم الى سنن الكون التي امر بها الخالق عز وجل وقد صارت البغضاء والضغينة تمشي بين الناس في الطريق السيار لمن يستولي على الميراث ولو كان ذلك على حساب بقية الذين يحق لهم شرعا الاستفادة وخاصة المرأة التي كثيرا ما تواجه صدا منيعا من الرجل لمنعها من حق شرعي وعرفي وعائلي لتبدأ رحلة الشقاق والنفاق والفراق بين افراد العائلة الذين ظلوا يقتسمون زوايا بيت واحد يلتحفون سقفه ويفترشون ارضهم في مودة ورحمة كثيرا ما تذهب بها رياح الطمع وتحول دون بقاءها مضيئة بين الاخوة الذين يصيرون في رمشة عين اعداء بسبب الانانية وحب الذات وقلة الوازع الديني .

  كما تتشتت العائلات بسبب فقدان روح المودة والرحمة بفعل كمشة ممتلكات ودراهم معدودات تعد في حساب الميراث فتجد بعض الاخوة والوراثة دون خجل يقررون بيع المسكن او المراب لتجد العائلات المستفيدة منه نفسها في العراء او في بحث مكلف عن بيت تختفي داخله وتأوي نفسها من قر الشتاء وحر الصيف ، في صور مرعبة ومخيفة لحال التردي الذي يعيشه المجتمع الجاري الذي انحرف عن قيمة التضامن الاسري التي ورثنها ابا عن جد وجنح الى جني المال والمادة على حساب التكافل الاجتماعي الباعث للسكينة وراحة النفس .

  وتتجذر خطورة الوضعية التي تبدأ بالخصومات البسيطة لتنتقل الى التشرذم والتعدى وإشهار الاسلحة البيضاء بينها دون حياء ومن غير خجل لتصل العداوة الى قطع صلة الرحم كما اشار الى ذلك عدد من المتصلين الذين ابرقوا برسالة مستعجلة مفادها ومحتواها مكتوب بأحرف كبيرة تحمل الكثير من الاسى والحسرة على الوضعية الكارثية للأمة المحمدية التي لم تستثمر القوانين الربانية في كسب رضى الله تعالى والشد بالأغلال والسلاسل على القيم الاجتماعية وتحولت الى غثاء كغثاء السيل كما جاء في الحديث الشريف ، وخاصة عندما يؤدي الميراث الى هذه الخصومات العائلية المتبوعة بالجر الى اروقة المحاكم في صور كاريكاتورية يندى لها الجبين ويتقطع لها الفؤاد دما وتدمع عليه العين بحرقة كبيرة لان الطمع في الدار الفانية حولنا جميعا الى غول كبير كل واحد يريد ان يأكل الاخر دون خوف من الله تعالى اولا واحتراما ثانيا لصلة الرحم التي ستكون حاجزا منيعا امام نيل الرضى في الدنيا والأخر لكل من كسر قنوات الربط بها وكذلك للذين يعترضون قنوات الجر الكبيرة التي يجب ان تبقى المشروع الابدي للعلاقات الاسرية.

  وإذا كانت التركة او الميراث المنصوص عليه بحجج قطعية الدلالة لا تحتاج الى فقيه ولا الى مفت ولكن الى حس اجتماعي يدرك ان الحياة يجب ان نملأها بالايجابية التي تعمر كأسها وتقضي على الفراغ الذي يفجر في داخلنا القنابل الموقوتة للطمع والأنانية وحب الذات وبالشكل البغيض والمقيت الذي يدعوننا جهارا نهارا للسطو على ممتلكات اخرين هم في الحقيقة اشقاءنا وأخواتنا الشقيقات ، فان الموضوع على غاية من الاهمية ويحتاج الى دراسة متأنية من الخبراء وأهل الاختصاص الذين عليه ان يدركوا جميعا ان المجتمع تعدى مرحلة التفكك الاسري وهو يعاني اليوم من ظاهرة التحلل العضوي التي تكاد تجعله جثة هامدة لا تتحرك الا للمواد المالية والمادية التي تدر النفع والريع في هيكل مجرد من عواطف الروح وبعيدا عن عطر الاخلاق الذي يؤكد على ضرورة ترك ما ليس لك لغيرك بعيدا عن الرخص الواهية التي يقدمها كل واحدة منا من اجل افتراس الميراث كما تفترس الوحوش الحيوانية اكرمكم الله تعالى الفرائس بما في ذلك الجيفة على اعتبار ان الذي تعدى حدود الله ثم يتجاوز الخطوط الحمراء للمجتمع ولو كانت عرفية فانه يتجرد من روح البشر ويتحول الى الصور التي اشرنا اليه ، مع الادراك التام بان الكثير من الاولياء والاباء اطال الله في عمر الاحياء وتغمد الموتى برحمته الواسعة فصلوا في الموضوع على الطاولة العائلية من اجل تفادي النزاعات التي تحول العلاقة بين الاخوة وذوي الحقوق الى ما عنوناه بالطريق السيار باتجاه الفتن والذي لم ولن يوصلنا الى بر الامان بل يزيد من الهوة اتساعا ومطلوب من جميع الاولياء في حدود القدرة العقلية والنفسية والاجتماعية الفصل في الميراث بالحياة من اجل وأد الفتنة في المهد والابقاء على حبال الارتباط الاجتماعي قوية ومتينة تدفع الابناء والاخوات الى الشد على ايدي بعضهم والتكافل الذي يضمن لهم رخاء البال وراحته ويسمح باستمرار العلاقات الاسرية بعد رحيل الاباء وهو ما تنشده كل اسرة جزائرية غرقت اليوم في وحل البحث عن الاستفادة من التركة والميراث بحق او بغير وجه.

 بقلم:عمار عقيب.

اظهر المزيد

اترك تعليقك